شـيـزوفـريـنـيـا . .
شـيـزوفـريـنـيـا . .
__________________
عندما تُبالِغ النفس في التفتّح
ويعيش أحدهم مقسوماً إلى اثنين
يتكون لنا نسيج " شيزوفرينيا" ..
دخل رامز شقته ، كان يشمّ رائحة زكي ، أكد لنفسه : نعم إنها رائحة التبغ الذي يدخنه قطع صراخ رامز ذاك الرنين المتقطّع الذي كان يصدره جهاز جوّاله تناوله لم يكن اتصالاً إنما
ذو الحواف الفضية وسأل النادل بارتباك ظاهر عن شخصٍ يُدعى زكي إلا أن النادل أبدى
عدم معرفته بهذا الشخص .
انصرف رامز وهو يتمتم بكلمات : يا لهذا النادل الأبله ، لقد عرّفته على زكي منذ أسبوع
وبالأمس كنّا سويّا في المقهى وطلبنا نفس المشروب. اخرق ! غبي ! هو وذاك الحلاق
البدين الذي تظاهر بأنه لا يعرف زكي أيضاً ، قطع رامز سيل شتائمه مقدّما لنفسه عذراً
ينوب عن النادل والحلاق فطبيعة عملهما تجعل خلْط الشخوص والوجوه أمر يكاد مسموح
فكلاهما يقابل عشرات البشر في يومهم العادي .
على الرصيف البعيد بشارعين عن المقهى كان يمشي عائدا نحو شقته الصغيرة وأصوات
كثيرة تزعجه بنداء اسمه ، جلس القرفصاء في منتصف الرصيف راسما دهشة واضحة في
عيون المارّة ، لم يكترث ووضع جاكيته البني على رأسه واخذ ينظر إلى بلاط الرصيف ويمرر
سبابته بين تقاطعات البلاط، كانت هذه هي الطريقة المثلى التي يقطع بها الأصوات التي
تهز شحنات عقله الكهربائية وتجبره على أغرب الأفعال ، أكمل سيره بعد أن هدأ قليلا ؛
واستفهام كبير يستفز عقله المشحون أين يجد زكي في هذا الليل البهيم ؟
زكي ، دخل غرفته ووجد زكي نائما على سريره الوثير ، تحملق وأيقظه لا لشيء إنما
ليمارس حقه في التوبيخ :
- أين كنت ، فمنذ البارحة لم تعد ؟
- ذهبت لتأدية بعض المهام في البلدة المجاورة ونمت هناك .
- ولمَ لم تتصل بي ؟
- كان الخط مقطوعا .
- تجيد أن تقنعني بأعذارك السخيفة .
- ألا تودّ النوم ؟ قالها زكي وهو في قمة اللامبالاة
تذكّر رامز أنها المرة الرابعة من هذا الأسبوع التي تمرّ دون أن ينام لمدة أربع وعشرين
ساعة متواصلة ، كان ينام في بعض الليالي إلا أن نومه لا يتعدى مرحلة إغماض عينيه
وما يصاحب ذلك من أرقٍ وهذيان يعاني منهما، لدقائق أغمض عينيه ممنّيا نفسه بنوم
ساعة قبل طلوع النهار ، ما لبث حتى أرسلت الشمس خيوطها لتداعب الأرض بصـــباح
جميل . نهض هذه المرة نحو مرآته ، كان ينظر في وجهه بشرود مريب ويدرس تفاصيله
كالبلهاء الذين يطيلون النظر فيك وأنت لا تعرفهم ، غاص في هالاته السوداء ، أخذ ينظر
في الخطوط التي تقاطعت تحت عينيه عن قرب وكيف تشكّلت لتبدو كالجزر الصغيرة في
محيطات كبيرة وتكسبه منظر شبحِ قادم من بعيد ، يا لمظهري المرعب !! كان يقول لنفسه
ذلك مفسّرا هرب بعض الأطفال تجاه أمّهاتهم عند رؤيته.
كان رامز يرى زكي يتبدّى له من خلفه في المرآة الصغيرة، استدار نحوه ! إلا أن غشاوة كان
تغطّي عينيه بسبب سهره الذي زاد عن مدى تحمل إنسانٍ عادي ، اخذ رامز يصرخ في وجه
زكي ممثلاً مزاجية مشاعره الحادّة : ابتعد ، ارحل ، اخرج من حياتي فأنت قلبت جنتي جحيم
وجعلت سعادتي شقاء بدخولـ .. ، أقسم بأني سأرميك للكلاب .... عليك اللعنة منذ أتيـ ..
تنبيه بموعد مراجعة طبيبه النفسي بعد ساعة ، للتو تذكر بأنه يعاني من مرض الفصام ( الشيزوفرينيا) !!

Wapher
del.icio.us